تشهد محكمة نيويورك إحدى القضايا التي تطلبت إعادة نشر تفاصيل المكالمات الهاتفية التي سجلتها الشرطة التركية وتم تسريبها في عام 2013، وجاء بها حديث عن تورط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأبنائه في قضايا فساد، أثناء تقديم لوائح الاتهام في قضية تتعلق بالتورط في التحايل على العقوبات المفروضة على إيران. وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، الأحد (16 أكتوبر 2017) أثبتت التحقيقات أن تلك التسجيلات تعد بمثابة توثيق لمؤامرة قام بها مسؤولون أتراك كبار لمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الأمريكية عن طريق مقايضة الذهب بالغاز. إلا أن التسجيلات لم توثق فقط خطة كبار المسؤولين، وإنما وثقت الدافع وراءها، والذي ليس سوى الرغبة في إرضاء شخص واحد، هو رئيس وزراء تركيا آنذاك والرئيس الحالي رجب طيب أردوغان.
في ذلك الوقت، رفضت حكومة أردوغان هذه التسجيلات التي كانت تدين أصحابها وتضعهم تحت طائلة القانون، وزعمت أنها مزورة من قبل “خصومه الخائنين الذين تسللوا إلى الشرطة التركية والقضاء”. ومع ذلك، فإن النيابة في الولايات المتحدة الأمريكية لديها وجهة نظر مختلفة بشأن هذه المسألة، استنادًا إلى وثائق استشهد بها المحققون في تركيا عام 2013 وتم تقديمها إلى محكمة في نيويورك. وبموجب هذه الوثائق، تم اتهام 9 أشخاص، من بينهم وزير الاقتصاد السابق ومصرفي كبير، الشهر الماضي بمحاولة التحايل على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران. وقد أدت هذه القضية إلى تعقيد العلاقات المتوترة أصلا بين الولايات المتحدة وتركيا، وقد أدانها أردوغان مرارًا وتكرارًا، بل إنه طرح القضية بنفسه خلال لقاءاته بمسؤولين أمريكيين في كل مناسبة تجمعهم معا، بما في ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه أردوغان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهر الماضي. وقبل يوم واحد من الاتصال، وصف أردوغان هذه القضية بأنها “خطوة ضد الجمهورية التركية”.
وفي الأيام الماضية زادت حدة التوتر التركي الأمريكي عقب اعتقال السلطات التركية اثنين من موظفي القنصلية الأمريكية في اسطنبول بتهمة الاشتباه في تورطهما في التخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في العام الماضي. وبرر المسؤولون الأتراك القبض على الموظفين الأمريكيين، من خلال مساواة الأمر بالتهم الموجهة إلى كبار المسؤولين الأتراك في نيويورك. وقال اردوغان يوم الخميس الماضي، في خطاب برر خلاله القبض على مسؤولين امريكيين: “إنكم تعتقلون نائب مدير مصرفنا المركزي دون سبب، وتحكمون على مواطن آخر لنا بالسجن لمدة سنتين، وترغبون في استخدامه كمخبر”.
وتقول تقارير أمريكية إن قراءة تفصيلية لجوهر التحقيق التركي، الذي تم عرضه في محكمة نيويورك، ويتضمن نصوص التسجيلات التي تدين كبار المسؤولين الأتراك بارتكاب عدة جرائم، تعرض شرحًا آخر لنهج أردوغان العدواني تجاه الولايات المتحدة في هذا الشأن، بغض النظر عن محاولته إظهار الوطنية. وفي بعض التسجيلات الهاتفية يمكن بوضوح سماع 3 من المتهمين يبحثون خلال لقاء لهم مع أردوغان وتعليماته آنذاك بزيادة التجارة التركية مع إيران، رغم العقوبات الأمريكية. وفي نص المكالمات والمحادثات التي ترجمت صحيفة نيويورك تايمز بعضها، “لا يوجد دليل على أن أردوغان كان على علم بأي نشاط إجرامي، كما لم يرد ذكره في لوائح الاتهام التي قدمت الشهر الماضي في الولايات المتحدة؛ لكنها تظهر أن أردوغان اجتمع مع بعض المتهمين بانتظام في عام 2013”.
وطرحت الصحيفة تساؤلًا حول ما إذا كان أحد المتهمين سيعترف بالذنب ويتعاون مع السلطات الأمريكية في مقابل الحكم عليه بعقوبة مخففة. وتنقل الصحيفة عن إريك إدلمان، السفير الأمريكي السابق في تركيا، قوله، “أنا متأكد من أن أردوغان يخشى من هذا الاحتمال، وأنا متأكد من أنه قلق بشأن ما قد ينكشف خلال المحاكمة، فجميع الاحتمالات ليست في مصلحته وستلحق به الضرر”. وتركز القضية على ثلاثة رجال، كلهم يعرفون أردوغان بصفة شخصية. ويشتبه في أن رضا زارب، وهو تاجر ذهب من اصل تركي ايراني، يساعد الحكومة التركية في الالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على التجارة مع ايران عن طريق استخدام الذهب والسلع غير النقدية الأخرى لدفع ثمن الغاز الايراني.
وكان يساعد زارب كل من ظافر كاجليان، الذي كان آنذاك وزير الاقتصاد التركي، وسليمان أصلان مدير عام بنك حكومي تركي. وكان زارب محتجزًا في الولايات المتحدة منذ مارس 2016 بعد اعتقاله خلال رحلة عائلية إلى ديزني وورلد أو عالم ديزني، في حين لم يتم القبض على الاثنين الآخرين. وتقول “نيويورك تايمز” إن أردوغان عرف المشكلة، كما يظهر أحد التسجيلات، وكان يخشى أن يضر ذلك سمعته كمنقذ للاقتصاد التركي . وبحسب التسجيلات، تحدث أردوغان مع المتهمين حول الحاجة الى احياء الصادرات التركية واستعادة الانجازات العالية التي تحققت في العام الماضى. وكان أردوغان نفسه قد تحدث علنا في الماضي عن رغبته في كسر العقوبات الامريكية على ايران، وتحديدا في مؤتمر صحفي عقد في إسطنبول في ديسمبر 2012. ويرى بعض المراقبين ذلك مبررًا لاندفاع أردوغان نحو روسيا وإيران، على النقيض تماما من مواقفه الأولى، بينما يرى البعض أن هذه القضية قد تكتب فصل النهاية لأحلام أردوغان التي تلقت الكثير من الضربات الموجعة في السنوات الخمس الماضية.
منذ 4 سنوات